ابن بسام
133
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
نخب ما بين جنبيه ، وغاب السواد [ 1 ] من عينيه ، مهزمة لجنوده ، وممهّدة لعدّته وعديدة . يوسع أعذار الفرار ، ولا يرى على الجبناء من عار . بيناه في أوّل الرّعيل ضارب [ 2 ] ، إذا به وراء الساقة هارب . يزحف عند الزّحف ، إلى خلف ، ويروعه الواحد وهو في ألف . لو كان سور مدينة لسار ، ولو ربط إليه الطّور لطار . إنّ هذا في الحرب من بني العنبر ، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر . إذا ثار القتام ، سقط من كفّه الحسام . وخبر بني العنبر ، أشهر من أن يذكر ، وقريط منهم ، ولمّا استنجدهم فلم ينجدوه قال [ 3 ] : لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد * ليسوا من الشّرّ في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظّلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته * سواهم من جميع الناس إنسانا ومستطعم الماء على المنبر خالد القسريّ عامل هشام بن عبد / الملك على العراق . دهش يوم الجمعة في حرب الخوارج وهو على المنبر ، فقال : أطعموني ماء [ 4 ] ! فقيل فيه : هتفت بكلّ صوتك أطعموني * شرابا ثمّ بلت على السّرير فصل : أضرّها على الأنام ، على قديم الأيّام ، العصبيّة في الجاهليّة والإسلام . فما لهذا السّلطان ، وخراب الأوطان ؟ والعصبيّة تفسد بين الأولياء ، وتكثر في الأدعياء . وأبو نواس كان أشدّهم فيها قولا ، وهو قنّ مولى ، تعصّب لليمن على مضر لكون سعد العشيرة من اليمن وهم من مواليه ، فهجا قبائل مضر ، وغضّ من قريش ، هذا وهو مولى ملصق ، وليست سعد العشيرة له بعشيرة ، بل لها منه الجريرة . سلطان يشتري بدينه ودمه ، رضى ابن عمّه . خاسر التّجر ، محروم الأجر ، لا يساوي بين أهل القبلة وهم سواء ، ولا يتكافأ عنده المسلمون وهم عند [ اللّه ] [ 5 ] أكفاء . وجبلّة التّفاوت أفاتت جبلّة الرّشد . وحميّته أحمت عليه دار الخلد . تعصّب جاشت له
--> [ 1 ] ص : السودان . [ 2 ] ص : يضرب . [ 3 ] هو قريط بن أنيف ، وقصيدته هي الأولى في ديوان الحماسة . [ 4 ] الأغاني 22 : 20 . [ 5 ] ص : وهم عنده .